خير لك أن تموت عزيزا تستحق دموع الإعجاب من أن تعيش ذليلا تستحق دموع الشفقة




بقلم : إبراهيم الضلعاوي

لعل تسارع الأحداث و تشابكها بمناطق نفوذ قبائل أيتوسى يحتم ضرورة الوقوف لقراءة الأحداث بعين ناقدة قد ترضي البعض، و من المؤكد أنها ستقلق البعض الآخر ، بداية فمن الجدير ذكره أن الأرض المتنازع بشأنها ظلت رازحة و لعقود طويلة تحت وطأة النسيان و اللامبالاة ، جراء إلتحاق من كان من المفترض فيهم حمايتها و الذوذ عنها بمختلف أسلاك الجيش المغربي. مما أدى إلى ترامي الغير على هذه الأراضي و حيازتها لأن المال السائب غالبا ما يكون عرضة للنهب و السرقة ، و بذلك فإن الدولة المغربية تتحمل مسؤولياتها القانونية و الأخلاقية و التاريخية في حماية هذه الربوع و التطبيق الأفقي للقانون من منطلق تشاركي لا الفرض العمودي للقانون - من وجهة نظر أجهزة الداخلية- و محاولة فرض الأمر الواقع بقمع شيوخ و نساء و أطفال، كان و لازال ذويهم يؤمنون المداخل و المخارج ، لينعم هؤلاء المتملقين الجلادين الذين يستبيحون الحرث و النسل بالإستقرار و ليزيدوا إستبسالا و استئسادا على الحرائر و الشيوخ و الأطفال.
فأبناء قبائل أيتوسى بعدما إستبدلوا نظامهم القبلي الذي كان رمزا و عنوانا لكبريائهم و شموخهم، إنخرطوا كغيرهم في إطار نظام جماعي حداثي عرف بنظام الدولة. هذا النظام الذي تفانو و لعقود طويلة في خدمته مقابل تهميشهم و احتقارهم - بعدما كانوا من أعزة القوم ولم يعرفوا الذل و لا الهوان يوما- و لا تتوانى مختلف أجهزة هذا النظام (الحداثي) عن إذلال أبناء هذه القبائل و نعتهم بانفصاليي الداخل ناسية بذلك أو متناسية أن من هم على الحدود من أبناء هذه القبيلة ، في المقابل نجد أن غيرهم من أبناء جلدتهم من الصحراويين يرون فيهم خونة و باعة قضية، هذه القضية التي ساوم بها العديد من الإرتزاقيين و الإنتهازيين من أبناء القبائل الأخرى – و هنا لا أقصد جهة معينة حتى لا يسوء الفهم – و استفاذوا من خيراتها بخلاف أبناء هذه القبيلة.
عموما فالتحسن الطفيف لمستوى معاشات التقاعد، جعل العديد من شيوخ أيتوسى يغادرون الخدمة العسكرية بعدما كانوا و لعقود طويلة يعملون على تمديد فترة الخدمة و لا يغادرونها إلا إلى زاوية من زوايا بيت مهترئ هو أثمن ما بقي لهم بعد سنوات طويلة من الكفاح و مجابهة الموت في تخوم الصحراء، فمبارحة هؤلاء لمواقعهم في جبهات القتال جعلهم يتفرغون لتذكر أراضي القبيلة المغتصبة من طرف بعض القبائل المجاورة و التي تربطها علاقات ودية مع قبيلة أيتوسى و هذا أمر عاد في عرف أهل الصحراء إذ تحل الأمور بشكل ودي من أهل الحل و العقد. فإيمانا من أبناء و شيوخ قبيلة أيتوسى بالبيت الشعري القائل ( بلاد ألفناها على كل حالة و قد يؤلف الشئ الذي ليس بالحسن و تؤلف الأرض التي لا هوى بها ولا ماؤها عذب ولكنها وطن ) فقد نزح العديد منهم إلى منطقة امبيد البرواك من إجل إسترجاعها، و الوصول إلى حل تفاوضي يرضي جميع الأطراف بعيدا عن كل الحسابات و المصالح الشخصية الضيقة، و هو ما تم تحقيقه فعلا بعد ترسيم الحدود مع إحدى القبائل المتنازع معها حول ملكية الأرض موضوع النزاع . إلا أنه بعد الإنتقال إلى منطقة تيزيمي و طول الرباط بالمنطقتين جعل القضية وجهة لهواة الإصطياد في المياه العكرة من منتخبين و إرتزاقيين ألفوا الإرتماء في حاويات السلطة للتآمر ضد أبناء عمومتهم ناسين بذلك إنتماءهم لهذه القبيلة و أنهم يستمدون مشروعيتهم من أصوات إنتخابية لشباب و شيب و نساء هذه القبيلة. و إن كانوا يتوفرون على ذرة وفاء لهذه القبيلة لقدموا إستقالاتهم و أوقفوا الدنيا و لم يقعدوها بعد الذي وقع من قتل و ترهيب و هتك للحرمات بمدينة آسا حاضرة قبيلة أيتوسى..
على المستوى الميداني أبان أبناء قبيلة أيتوسى عن قدرة عالية في التصدي لقوات القمع سواء في آسا الهوية أو في كليميم التاريخ و الحاضر مما كان سيخعل اللجنة المنتذبة للتحدث باسم القبيلة تناقش من موقع قوة بكل أريحية، لكن ثلة الإنبطاحيين من تجار المواسم الإنتخابية و أذيال المخزن أطلقوا بدم بارد رصاصة الغدر في ظهر إنتفاضة أيتوسى محاكين بها رصاصة الذل التي إغتالت أحلام وردية لأم ثكلى رأت في رشيد الشين الحاضر و المستقبل.
عموما فحراك أبناء قبيلة أيتوسى جاء لإسترداد الحق المغتصب بعيدا عن كل المصالج الضيقة إلا أنه بعد تشابك الأحداث أصبج مرتعا لبعض الأنذال المحسوبين على القبيلة و رهانا لإثبات الذات بالنسبة للأشراف من أبنائها ، بعد هذه الأحداث أصبحت سلطات الداخلية تنظر إلى القبيلة بنظرة التخريب و إثارة الشغب و اللاتمدن و هذا ما لا يقض مضاجع أبنائها، لأن هذه السلطات لطالما عاملتهم بالكثير من التهميش و الإقصاء الممنهج و عسكرة مناطق النفوذ و لا غرابة إن زادت حدة القمع و البغض الموجه لهذا المكون القبلي .
و على هذا الأساس فإني أرى أن إنتفاضة الهوية بتيزيمي أبانت عن العديد من المؤشرات الإيجابية و السلبية على حد سواء فمن جانب ظهر ذلك التآلف و التماسك بين أبناء القبيلة و تم بعث الروح في المفهوم الإيجابي للقبيلة – و هنا أؤكد على نبذ القبلية المقيتة التي تقصي الآخر لإعتبارات عرقية – و أن النزاعات ذات الطابع القبلي لا تحل إلا بتحكيم العقل و التشاور بين عقلاء الأطراف القبلية المتنازعة بعيدا عن دهاليز المخزن، الذي لا يزيد الأمور إلا عسرا و تعقيدا. و من جانب آخر فقد سقطت آخر أوراق التوت بالنسبة لمن كنا نظن أنهم يشكلون ذرعا واقيا للقبيلة حيث برز جليا سوء إختيار أبناء القبيلة لمنتخبيهم الذين لا هم لهم سوى تكديس الثروة و تحقيق مآربهم الشخصية دون مراعاة للمصالح العليا للقبيلة و لمناطق نفوذها، لهذا كله فإنه كان من الأجدى الإستمرار في هذا الحراك و فتح جبهات في كافة مناطق تواجد القبيلة حتى يتم إرضاخ السلطات المعنية و تحقيق مطالب القبيلة التي لم تعد تقتصر على ما كانت عليه من مطالبة بترسيم للحدود و تقديم قتلة رشيد الشين للمحاكمة – التي نعرف مسبقا العديد من تفاصيلها – و الإفراج عن المعتقلين. بل أصبحت تشمل معالجة آنية للهشاشة الإجتماعية و الإقتصادية البنيوية لكافة شرائح القبيلة بمختلف مناطق تواجدهم.
نهاية أود التركيز على ضرورة إقصاء المنتخبين و ذوي السوابق العدلية – حتى لا يساوموا بملفات مخمدة في رفوف المحاكم - من لجان الحوار و ضرورة تشبيب هذه اللجان حتى تضم طاقات على قدر عال من الوعي تشكل قوة تفاوضية و اقتراحية قادرة على تحقيق الحقوق و تحصين المكتسبات.